سيد محمد طنطاوي

428

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ولَا الإِيمانُ ، ولكِنْ جَعَلْناه نُوراً نَهْدِي بِه مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا « 1 » . والمعنى : إذا علمتم ما ذكرناه لكم - أيها المشركون - فاتركوا العناد ، وآمنوا باللَّه - تعالى - ورسوله صلى اللَّه عليه وسلم إيمانا حقا ، وآمنوا - أيضا - بالقرآن الكريم الذي أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم ليكون هذا القرآن معجزة ناطقة بصدقه صلى اللَّه عليه وسلم . وجملة * ( واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * تذييل قصد به الوعد والوعيد ، أي : واللَّه - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على كل تصرفاتكم ، وسيمنحكم الخير إن آمنتم ، وسيلقى بكم في النار إن بقيتم على كفركم . ثم حذرهم - سبحانه - من أهوال يوم القيامة فقال - تعالى - : * ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ) * . والظرف * ( يَوْمَ ) * متعلق بقوله - تعالى - قبل ذلك : * ( ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ) * . والمراد بيوم الجمع : يوم القيامة . سمى بذلك لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون في مكان واحد للحساب والجزاء . وسمى - أيضا بيوم التغابن ، لأنه اليوم الذي يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل . والتغابن تفاعل من الغبن بمعنى الخسران والنقص ، يقال غبن فلان فلانا إذا بخسه حقه ، بأن أخذ منه سلعة بثمن أقل من ثمنها المعتاد ، وأكثر ما يستعمل الغبن في البيع والشراء ، وفعله من باب ضرب ، ويطلق الغبن على مطلق الخسران أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين للبعث : لتبعثن يوم القيامة ثم لتنبؤن بما عملتم يوم القيامة يوم يجتمع الخلائق للحساب فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل ، ويغبن فيه المؤمنون الكافرين ، لأن أهل الإيمان ظفروا بالجنة ، وبالمقاعد التي كان سيظفر بها الكافرون لو أنهم آمنوا ، ولكن الكافرين استمروا على كفرهم فخسروا مقاعدهم في الجنة ، ففاز بها المؤمنون . قال القرطبي : * ( يَوْمُ التَّغابُنِ ) * أي : يوم القيامة . . . وسمى يوم القيامة بيوم التغابن ، لأنه غبن أهل الجنة أهل النار . أي : أن أهل الجنة أخذوا الجنة ، وأهل النار أخذوا النار على طريق المبادلة فوقع الغبن على الكافرين لأجل مبادلتهم الخير بالشر ، والنعيم بالعذاب .

--> ( 1 ) سورة الشورى الآية 52 .